محمد بن علي النقي الشيباني
6
مختصر نهج البيان
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 30 إلى 37 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) وقيل : أعلم الطّاعة من آدم والمعصية من إبليس . [ 31 ] « الْأَسْماءَ كُلَّها » : أسماء الطّيور والوحوش والهوامّ وما ذرأ في الأرض . وقيل : علّمه أصول الأسماء مثل الجنّ والإنس والطّير والوحوش والأرض والسّماء وما فيهما . وعلّمه : عرّفه وألهمه . وكان ذلك معجزة لآدم . « ثُمَّ عَرَضَهُمْ » : أبرزهم وأظهرهم ؛ أي : الأعيان المسمّين بتلك الأسماء . وقيل : صوّرهم في قلوبهم وقال لهم : « أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ » الأعيان والأشخاص . « صادِقِينَ » : عالمين . [ 33 ] « غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » : سرّ أهل السّماوات والأرض . « تُبْدُونَ » : تظهرون . « تَكْتُمُونَ » : تخفون . وفيه تقرير العجز والجهل . [ 34 ] « لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ » . قيل : الكلّ . وقيل : ملائكة السّجود خاصّة أمروا بسجوده تحيّة وخضوعا لا عبادة . وقيل : كان إيماء برءوسهم لا وضع الجبهة على الأرض ؛ وهو بمنزلة السّلام . وقيل : إنّما أمروا بالإقرار بفضله والتعظيم له والخشوع والانقياد . كقوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ » - الآية « 1 » . وقيل : كان آدم قبلتهم تعظيما له . وفي الآية دليل على تفضيل الأنبياء عليهم السّلام على الملائكة لأمرهم بالسّجود لآدم . « إِلَّا إِبْلِيسَ » . كان اسمه عزازيل . فلمّا طرده اللّه تعالى عن رحمته وآيسه منها ، سمّاه إبليس . والمبلس هو الكئيب الحزين - كالآيس - النادم ، الهالك . قيل : الاستثناء من الجنس . وقيل : منقطع . وكلاهما عربيّ . « أَبى » : امتنع . « وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » : صار منهم . [ 35 ] « يا آدَمُ » . سمّي آدم لأنّه أخذ من أديم الأرض كلّها ؛ عذبها وملحها وحرّها وسبخها . ولهذا اختلفت ألوان ولده . « وَزَوْجُكَ » : قرينك وإلفك حوّاء . وسمّيت بذلك لأنّها خلقت من حيّ - وهو آدم - من ضلعه اليسرى . قال سبحانه : « وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها » « 2 » . « الْجَنَّةَ » هاهنا كانت في السّماء . وقيل في الأرض . وكان الشّمس والقمر يطلعان فيها . ولا خلاف أنّها ليست جنّة الخلد . « رَغَداً » : موسّعا عليكما بلا تقدير . « الشَّجَرَةَ » . قيل : السّنبلة . وقيل : العنبة . وقيل : التينة . وقيل : النخلة . وقيل : شجرة الكافور . والنهي عن مكروه لا محظور ؛ للعصمة . « مِنَ الظَّالِمِينَ » : الباخسين الناقصين لأنفسكما من الثّواب . وأصل الظّلم : النقص . ومنه : « وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً » « 3 » . [ 36 ] « فَأَزَلَّهُمَا » : استزلّهما . وأمّا « فَأَزَلَّهُمَا » من الزوال ؛ أي : حوّلهما إليها فأكلا منها . قيل : ما قصدا قبول إبليس ، بل شهوة أنفسهما . وقيل : أكلا من الجنس ، لا من العين المنهيّ عنها . وقيل : قبلا منه لأنّهما ظنّا أنّ أحدا لا يحلف باللّه كاذبا . « اهْبِطُوا » : انزلوا . « بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ » : آدم وحوّاء وإبليس والحيّة . أمر تهديد . وقيل : أهبط آدم بالهند ، وحوّاء بجدّة ، وإبليس بأيلة ، والحيّة بنصيبين . وقيل : أهبط آدم على الصّفا ، وحوّاء على المروة . « فَتَلَقَّى آدَمُ » : أخذ . وقيل : الكلمات الّتي علّمها جبرئيل عليه السّلام : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا » - الآية « 4 » . وقيل : محمّد وعليّ [ و ] فاطمة والحسن والحسين . أقسما عليه [ بهم ] أن يتوب عليهما . [ 37 ] « فَتابَ » ورضي عنهما . وأصل التوبة : الرجوع .
--> ( 1 ) - الحجّ ( 22 ) / 18 . ( 2 ) - النساء ( 4 ) / 1 . ( 3 ) - الكهف ( 18 ) / 33 . ( 4 ) - الأعراف ( 7 ) / 23 .